من الجمعيات إلى النفوذ.. كيف تستفيد الإخوان من القوانين الأوروبية؟
في فرنسا، لم تعد جماعة الإخوان تواجه الدولة من خارجها، بل تعيد التمركز داخلها عبر القانون نفسه.
فبعد الحظر، يأتي الالتفاف القضائي كأداة لفرض الحضور وتوسيع النفوذ، في نموذج يكشف انتقال التنظيم من المواجهة المباشرة إلى «اختراق ناعم» طويل الأمد، يستثمر الحريات ليعيد تشكيل المجال العام من الداخل.
وفي هذا الإطار، اعتبر خبراء فرنسيون متخصصون في قضايا الإسلام السياسي والتنظيمات المتطرفة أن الفعالية التي نظمها تنظيم الإخوان في فرنسا مؤخرًا قرب باريس لا يمكن اعتبارها مجرد تجمع ديني، بل تمثل نموذجًا متطورًا لما وصفوه بـ«إعادة تشكيل المجال الدعوي والسياسي داخل أوروبا».
ولم يعد الجدل الدائر في فرنسا حول هذا النوع من الفعاليات محصورًا في كونه مواجهة بين قرار أمني وحرية تنظيم، بل بات يعكس أزمة أعمق في أساليب عمل الشبكات المرتبطة بالإسلام السياسي، والانتقال من الصدام المباشر مع الدولة إلى التكيف معها عبر أدواتها القانونية نفسها.
ويأتي تنظيم هذا اللقاء رغم قرار سابق لوزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز بحظره، وهو ما دفع المنظمين إلى الالتفاف على القانون الفرنسي، حيث تمكنوا من الحصول على حكم قضائي يسمح بإقامته، في خطوة اعتبرها مراقبون «التفافًا قانونيًا مشروعًا» يسلط الضوء على التعقيد القائم بين حماية الحريات العامة ومخاوف الأمن الفكري ومنع تشكل بيئات مغلقة قد تعزز الاستقطاب.
منظومات موازية بإطار قانوني
من جانبه، قال الباحث السياسي الفرنسي المتخصص في الإسلام السياسي والتنظيمات المتطرفة، مؤلف كتاب «المشروع: استراتيجية التغلغل والسيطرة للإخوان المسلمين في فرنسا والعالم»، ألكسندر دلفال إن مثل هذه الفعاليات تعكس «تحولًا من العمل الدعوي التقليدي إلى بناء فضاءات موازية تعيد إنتاج الهوية الدينية بشكل علني ومنظم».
وأضاف أن ما يلفت الانتباه ليس فقط مضمون الخطاب، بل «القدرة على الحشد، واستخدام أدوات حديثة في التمويل والتواصل، ما يمنح هذه الشبكات نفوذًا متزايدًا داخل المجتمعات الأوروبية».
وأوضح أن ما يحدث في فرنسا يمثل مرحلة متقدمة من تطور استراتيجيات هذه الشبكات، حيث لم تعد المواجهة الصريحة مع الدولة خيارًا فعالًا، بل جرى استبدالها بنهج أكثر براغماتية يقوم على إعادة التموضع داخل الإطار القانوني.
وأشار دلفال إلى أن «الشرعنة القضائية» لا تعني فقط كسب معركة قانونية ظرفية، بل تؤسس لسابقة يمكن البناء عليها لاحقًا، مضيفًا أن هذه الفعاليات «تُستخدم كمساحات لإعادة إنتاج الهوية الجماعية، وبناء ولاءات عابرة للمؤسسات الرسمية».
ورأى أن أخطر ما في هذا التحول هو تشكيل ما يشبه بنية تحتية اجتماعية موازية تشمل شبكات تمويل (تبرعات، أوقاف)، وفضاءات تواصل (معارض، لقاءات)، إضافة إلى أدوات تأثير ثقافي وديني.
واعتبر أن هذه المنظومة «لا تعمل ضد الدولة بشكل مباشر، بل تنمو داخلها مستفيدة من قوانينها»، وهو ما وصفه بـ«الاختراق الناعم طويل المدى».
فعالية مثيرة للجدل وخطاب أكثر تشددًا
وذكرت صحيفة «لوفيجارو» أن لقاءً أُقيم قرب باريس أثار جدلًا واسعًا، في ظل ما وصف بأنه أكثر تشددًا من أي وقت مضى، حيث شمل الترويج للحجاب للفتيات الصغيرات، وعرض كتب مناهضة لإسرائيل، إضافة إلى حضور دعاة سلفيين.
وأُقيم الحدث في مركز المعارض بمنطقة لو بورجيه خلال الفترة من 3 إلى 6 أبريل، وتم السماح بإقامته في نهاية المطاف رغم صدور قرار سابق من شرطة باريس بحظره.
ولفتت الصحيفة إلى أنه بمجرد دخول موقع الفعالية، يواجه الزائر مظاهر تعبئة مباشرة، حيث يدعو منظمون الحضور للتبرع لبناء مسجد، إلى جانب توزيع كتيبات حول مفهوم «الوقف»، مع دعوات لإعادة إعمار غزة.
كما استقبل أفراد أمن تابعون لاتحاد «مسلمي فرنسا» الزوار بتحية «السلام عليكم»، وهي منظمة كانت تُعرف سابقًا باسم «اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا»، وتُعد قريبة من جماعة الإخوان رغم نفيها المتكرر لذلك.
إعادة تشكيل الهوية داخل النظام
من جانبه، قال الباحث الفرنسي أوليفييه روا إن التفاف الإخوان حول القانون لإقامة مثل هذه الفعاليات قد يؤدي، دون قصد، إلى خلق مساحات انعزال ثقافي، حتى في غياب نية صريحة لبناء مشروع موازٍ للدولة.
وأوضح أن ما يُعرف بـ«الاختراق الناعم» ليس بالضرورة استراتيجية موحدة، بل نتيجة تفاعل معقد بين الهوية والقانون والفراغ الاجتماعي.
لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن اللجوء إلى القضاء «ليس مجرد رد فعل، بل جزء من تكتيك طويل المدى يهدف إلى تثبيت الحضور داخل المجال العام».
وأضاف أن هذه الشبكات تعتمد على ما يسميه «التدرج في الشرعنة»، أي تحدي قرار إداري، ثم كسب حكم قضائي، وتحويله إلى سابقة، قبل توسيع النشاط بشكل أكثر جرأة.
وحذر من أن استجابة السلطات الفرنسية لمطالب الإخوان قد تؤدي إلى تطبيع الخطاب المحافظ أو المتشدد داخل الفضاء العام، وإعادة تشكيل موازين القوة الثقافية، مؤكدًا أن «الخطر لا يكمن في كل فعالية على حدة، بل في التراكم الذي ينتج واقعًا يصعب التراجع عنه».






