تعاون فرنسي بلجيكي لمواجهة نفوذ الإخوان ومسارات متعددة للمكافحة
قد تختلف تقييمات دول أوروبا بشأن نفوذ الإخوان على أراضيها، لكن المؤكد هو أن المعركة تظل واحدة بوجه أخطبوط تطرف ينخر جسد القارة ببطء.
وحاليا، تشهد الساحة الأوروبية جدلًا متصاعدًا بشأن حجم نفوذ الجماعة في ظل تباين واضح بين التقييمات الفرنسية والتحفظات البلجيكية.
فبينما حذر تقرير استخباراتي فرنسي من تنامي حضور ما وصفه بـ”الحركة المرتبطة بالإخوان” داخل أوروبا، معتبرًا بلجيكا “مركزًا أوروبيًا” لهذا التيار، سارعت الأجهزة الأمنية في بروكسل إلى تقديم قراءة أكثر حذرًا، مؤكدة أن هذا النفوذ “موجود لكنه محدود”.
مخاوف
إذاعة “إر.تي.بي إف” البلجيكية، تقول إن التقرير الفرنسي الحكومي الصادر عام 2025 حول “الإخوان والإسلام السياسي”، اعتبر أن بلجيكا تمثل نقطة ارتكاز مهمة للشبكات المرتبطة بالجماعة.
كما أشار إلى وجود نحو 200 ناشط يتمتعون بـ”تأثير مضاعف”، إضافة إلى ما وصفه بوجود مناطق داخل محيط بروكسل تخضع لنوع من “الضغط الاجتماعي” المرتبط بخطاب الإسلام السياسي.
وأوضحت الإذاعة أنه بعد نشر التقرير الفرنسي الذي وصف بلجيكا بأنها “مركز أوروبي للحركة المرتبطة بالإخوان”، سعت أجهزة الاستخبارات البلجيكية إلى التخفيف من حدة هذه التقييمات.
“الخطر الحقيقي”
وبرى جان-بيير فيليو، الباحث الفرنسي المتخصص في قضايا الإسلام السياسي، أن “خطورة الإخوان لا تكمن بالضرورة في العنف المباشر فقط، بل في القدرة على بناء شبكات تأثير تدريجية داخل المؤسسات والمجتمع، وهو ما يجعل الظاهرة أكثر تعقيدًا من مجرد تهديد أمني تقليدي”.
ويضيف فيليو أن “التجربة الفرنسية أظهرت أن تجاهل هذه الشبكات في مراحلها المبكرة قد يؤدي إلى ترسيخ أنماط من الانعزال المجتمعي يصعب معالجتها لاحقًا”.
ويعزز هذا الطرح ما أشار إليه التقرير الفرنسي من مخاطر تتعلق بـ”تفكيك التماسك الاجتماعي” و”تعزيز النزعات الانعزالية”، وهي نقاط تجد صدى في بعض التقييمات البلجيكية التي حذرت بدورها من أن خطاب الجماعة قد يشجع على الاستقطاب داخل المجتمع.
وبحسب الخبير، فإن بروكسل تفضل مقاربة أكثر تدرجًا، تراعي عدم المبالغة في التهديد، مقابل استمرار المراقبة والتنسيق بين الأجهزة الأمنية.
دلالات التوقيت
وفي حديثه عن دلالات توقيت رد أجهزة الاستخبارات البلجيكية، رغم صدور التقرير الفرنسي منذ 2025، يوضح الباحث الفرنسي أن الأمر يعود إلى مجموعة من العوامل السياسية والأمنية التي تفسر هذا التأخر النسبي في التعليق الرسمي.
ويشير إلى أن السبب الأول يعود إلى الطابع المؤسساتي للإجراءات في بلجيكا والتي تلعب دورًا أساسيًا، فالتفاعل لم يكن ردًا سياسيًا مباشرًا، بل جاء في إطار تحقيق برلماني رقابي كلف به “لجنة مراقبة أجهزة الاستخبارات” أو ما يعرف اختصارا بـ”اللجنة آر”.
ولفت إلى أن ما تقدم “يستغرق وقتًا بسبب طبيعة التدقيق، وجمع المعلومات، والتنسيق بين أجهزة متعددة مثل الأمن المدني والعسكري”.
كما أشار الخبير إلى الحساسية السياسية للملف داخل بلجيكا نفسها، معتبرا أن “التقرير الفرنسي أثار جدلًا داخليًا، خاصة مع ما تضمّنه من توصيفات قوية مثل مناطق خارجة عن السيطرة”.
وخلص إلى أنه بناء على ذلك “فضّلت السلطات البلجيكية تأجيل الرد إلى حين توفر تقييم استخباراتي محدث يجنّب أي توتر داخلي أو اتهامات بالتضخيم أو التقليل من الخطر”.
ورأى أن السبب الثالث، يعود إلى اختلاف المقاربات بين باريس وبروكسل، ففرنسا تعتمد منذ سنوات نهجًا أكثر صرامة تجاه الإسلام السياسي، بينما تميل بلجيكا إلى مقاربة أكثر حذرًا وتدرجًا.
ووفق الخبير، فإن هذا الاختلاف دفع الأجهزة البلجيكية إلى التريث قبل إصدار موقف رسمي، بهدف صياغة رد متوازن.
وأوضح أن تطور المعطيات الاستخباراتية منذ 2025 مكّن من توفير تحديث في آليات الرصد والتنسيق بين الأجهزة، ما جعل الرد البلجيكي يأتي لاحقًا بناءً على معطيات أحدث وليس فقط كرد فعل على تقرير قديم.
واعتبر أن توقيت الرد يعكس أيضًا رغبة بلجيكا في ضبط السردية، فهي لم تنفِ وجود نفوذ للإخوان، لكنها سعت إلى إعادة تقديره بحجم “أكثر محدودية”، في محاولة لتفادي خلق حالة هلع سياسي أو مجتمعي، مع الإبقاء على مستوى اليقظة الأمنية.
بين التحذير والتطمين
ووفقاً للباحث الفرنسي فإن هذه المعطيات، التي أثارت قلقًا واسعًا في باريس، أعادت إلى الواجهة المخاوف الفرنسية التقليدية من تمدد ما يعرف بـ”الإسلام السياسي” داخل المجتمعات الأوروبية، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالاندماج والهويات.
وفي المقابل، سعت “لجنة مراقبة أجهزة الاستخبارات” البلجيكية إلى تهدئة هذا الطرح، مؤكدة في تقرير حديث أن تقديراتها تختلف جزئيًا عن القراءة الفرنسية.
ووفقًا للتقييم البلجيكي، فإن عدد الأفراد النشطين في نشر فكر الجماعة يناهز المئة، مع الإقرار بأن هذا التيار يسعى إلى التأثير عبر العمل الجمعياتي والمؤسساتي، ومحاولة الظهور كشريك “معتدل” للحصول على دعم رسمي.
إلا أن الأجهزة البلجيكية شددت على عدم وجود مؤشرات على سيطرة فعلية أو تهديد مباشر على شكل أعمال عنف.
ورغم هذا التباين، يتفق الجانبان ضمنيًا على توصيف الإخوان كحركة “إسلامية سياسية” ذات مشروع طويل الأمد يهدف إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق مرجعية دينية.






