الإخوان يواصلون المناورات السياسية وسط ضغوط دولية متزايدة
لم يكن تلوّن جماعة الإخوان وتبديلها للأقنعة وليد اللحظة أو استجابة عابرة لضغطٍ طارئ، بل نهجًا راسخًا في بنيتها التنظيمية منذ نشأتها. ومع تصاعد التصنيفات الدولية وتشديد الخناق القانوني، استعادت الجماعة واحدًا من أقدم أساليبها.
ودفعت التصنيفات الدولية المتصاعدة جماعة الإخوان إلى البحث عن مخارج تكتيكية للبقاء، في مقدمتها التخلي عن الاسم والتمسّك بالجوهر، في محاولة لإعادة التموضع تحت لافتات جديدة، دون مراجعة للفكرة أو مساس بالبنية، تأكيدًا لاستراتيجية تقوم على المراوغة لا التحوّل، وعلى تبدّل الواجهة وثبات المشروع.
اعترافات صدرت من داخل دوائر التنظيم في الخارج كشفت أن الخطوة لا تعكس مراجعة فكرية، بل محاولة التفاف على واقع دولي لم يعد يتسامح مع التنظيمات العابرة للحدود، في عودة واضحة لاستراتيجية قديمة تقوم على تغيير الواجهات وتثبيت المشروع.
هذه الخطوة التي اعتبرها خبراء في شؤون الجماعات الإسلامية بمثابة إعادة تموضع تكتيكية متوقعة، لا تحول حقيقي، مؤكدين أن الجماعة لطالما تعاملت مع الاسم بوصفه عنصرًا ثانويًا، مقابل مركزية الفكرة والتنظيم.
واعتبروا أن تغيير اللافتة يهدف إلى تعقيد الملاحقة القانونية والالتفاف على التصنيفات، دون المساس بجوهر المشروع.
تغيير الاسم بلا تغيير المشروع
وكشفت تصريحات صريحة للقيادي الإخواني الهارب عصام تليمة، أن الجماعة باتت مستعدة لتغيير لافتتها التنظيمية، مع الإبقاء الكامل على الفكر والبنية والولاء.
وبرر تليمة هذا التوجه بالقول إن «التضحيات لم تكن من أجل الاسم بل من أجل الفكرة»، في اعتراف مباشر بأن تغيير الاسم لا يعني التخلي عن المشروع، بل يمثل وسيلة للالتفاف على التصنيفات الدولية للإرهاب والضغوط المتصاعدة.
واستند في طرحه إلى تجارب سابقة للجماعة عملت خلالها تحت أسماء مختلفة دون أن تتغير عقيدتها أو أهدافها، مستحضرًا مقولات مؤسس الجماعة حول «العبرة بالمضمون لا بالتسميات».
هذه التصريحات، بما تحمله من وضوح، أعادت فتح النقاش حول استراتيجية الإخوان التقليدية القائمة على تبديل الأقنعة وتثبيت الجوهر، في لحظة تواجه فيها الجماعة تضييقًا غير مسبوق في عدد من الدول، وتراجعًا حادًا في قدرتها على العمل العلني.
الاسم هامشي والتنظيم هو الثابت
وفي هذا السياق، قال الكاتب والباحث المتخصص في شؤون الجماعات الإرهابية، منير أديب إن ما صدر عن عصام تليمة يعكس سلوكًا تنظيميًا متكررًا لدى جماعة الإخوان، هدفه الأساسي الحفاظ على التنظيم والفكرة، لا إجراء أي مراجعة فكرية أو تحول حقيقي.
وأوضح أن الجماعة لا تعتبر الاسم عنصرًا جوهريًا، بقدر ما تعتبر الفكرة والتنظيم هما الركيزة الأساسية لبقائها، مشيرًا إلى أن تاريخ الإخوان حافل باستخدام مسميات مختلفة في عدد من الدول دون التخلي عن المرجعية الفكرية أو البنية التنظيمية.
وأضاف أن الإخوان يعملون في لبنان تحت اسم «الجماعة الإسلامية»، وفي الأردن عبر «حزب جبهة العمل الإسلامي»، وفي السودان تحت مسميات مثل «الحركة الإسلامية»، بينما يظهرون في فلسطين عبر «حركة المقاومة الإسلامية – حماس»، رغم وحدة المشروع.
وأشار إلى أن الاسم الوحيد الذي تحرص الجماعة على الاحتفاظ به هو «الإخوان المسلمين» في القاهرة، حيث يُعد المكتب هناك المركز التنظيمي المسؤول عن الفروع في الدول العربية وغير العربية. وعند إدراج التنظيم على قوائم الإرهاب في بعض الدول، تلجأ الجماعة إما إلى تغيير اللافتة أو إلى العمل السري بدلًا من الظهور العلني.
وأضاف أن الجماعة لم تستخدم اسم «الإخوان المسلمين» في السعودية، وظهرت تحت اسم «الصحوة الإسلامية»، كما لجأت في مصر سابقًا إلى استخدام تسميات مثل «التيار الإسلامي» داخل الجامعات، في محاولة للالتفاف على الملاحقات الأمنية.
وأكد الباحث أن تغيير الاسم لا يمكن قراءته باعتباره تحولًا، بل هو إعادة تموضع تكتيكية واستراتيجية في آن واحد، هدفها المراوغة والانسجام مع الواقع الجديد الذي فرضته الضغوط الدولية، خصوصًا مع تنامي احتمالات تصنيف الجماعة تنظيمًا إرهابيًا من قبل الولايات المتحدة.
وشدد على أن تغيير الاسم لا يكفي فعليًا للهروب من التصنيفات، لأن الدول باتت تركز على السلوك والانتماء والارتباط التنظيمي، لا على المسميات فقط.
تبديل الأقنعة استراتيجية بقاء
من جانبه، قال ماهر فرغلي، الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية إن طرح تغيير اسم جماعة الإخوان يُعد أمرًا متوقعًا وطبيعيًا في سياق تاريخ الجماعة وسلوكها التنظيمي.
وأوضح أن الإخوان لا يحملون اسمهم التقليدي في معظم دول العالم، باستثناء عدد محدود من الدول، بينما يعملون في بقية البلدان تحت مسميات مختلفة، وهو ما يجعل تغيير الاسم خطوة غير مستغربة طالما أن الهدف هو تفادي الضغوط القانونية والسياسية المرتبطة بالتصنيفات.
وأشار فرغلي إلى أن تغيير اللافتة التنظيمية يمنح الجماعة مساحة للمناورة، إذ يتيح لها الظهور تحت مسميات جمعيات ثقافية أو دينية أو منظمات حقوقية أو أحزاب سياسية، بما يصعّب عملية إثبات الانتماء التنظيمي المباشر، خاصة في البيئات القانونية الغربية التي تتطلب أدلة دقيقة.
وأضاف أن الجماعة ناقشت هذا المسار ضمن ترتيبات تنظيمية داخلية، شملت إعادة هيكلة الأطر العلنية، وتغيير أسماء الكيانات، والدفع بوجوه وقيادات جديدة، لا سيما في أوروبا، للتكيف مع الواقع الجديد الذي فرضته الضغوط الدولية.
وحول احتمالات الانقسام الداخلي، استبعد فرغلي حدوث انشقاقات مؤثرة، مؤكدًا أن جماعة الإخوان تنظيم هرمي براغماتي، قادر على إدارة الخلافات داخليًا، وتعدد المسارات دون المساس بوحدة المشروع، وأن تغيير الاسم لا يعني تغيير الفكرة أو التنظيم، بل يندرج ضمن استراتيجية مستمرة لتبديل الأقنعة.
تضييق غربي متسارع
وتأتي هذه التحركات داخل الجماعة بالتزامن مع تحول حاسم في المقاربة الغربية تجاه الإخوان.
فقد صنفت الولايات المتحدة فروع التنظيم في لبنان والأردن ومصر، في خطوة تنفيذية أولى ضمن مسار أوسع يستند إلى الأمر التنفيذي رقم 14362، ويهدف إلى تجفيف منابع التمويل وتقييد الحركة المالية والتنظيمية وملاحقة الشبكات العابرة للحدود.
ومنذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، عاد ملف الإخوان إلى صدارة الأجندة الأمنية الأمريكية، باعتباره تنظيمًا أيديولوجيًا يعمل عبر واجهات سياسية وخيرية ودعوية، ويوفر بيئة حاضنة للتطرف والعنف.
ويستند هذا التوجه إلى قناعة متزايدة بأن فروع التنظيم، رغم اختلاف مسمياتها، تشترك في بنية فكرية وتنظيمية واحدة، وتؤدي أدوارًا داعمة لجماعات مسلحة مصنفة إرهابية، وعلى رأسها حركة حماس، سواء عبر التمويل أو الغطاء السياسي والإعلامي.
كما يعكس القرار الأمريكي تقاطعًا مع مواقف عدد من الدول العربية التي سبقت واشنطن في تصنيف تنظيم الإخوان تنظيمًا إرهابيًا، بعد تحميله مسؤولية زعزعة الاستقرار واستغلال الفضاءات السياسية والدينية لاختراق المجتمعات.
وعلى المسار نفسه، تعمل دول أوروبية، في مقدمتها فرنسا، على تشديد الخطاب السياسي والتضييق على التنظيم، حيث صادقت الجمعية الوطنية الفرنسية على قرار يدعو لإطلاق إجراءات إدراج الجماعة على القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية.






