طرابلس: خلفية تشكيل مجلس المفوضية وأهداف الإخوان المحتملة
دخلت الأزمة الليبية منعطفاً جديداً من التصعيد المؤسسي، عقب إعلان المجلس الأعلى للدولة في طرابلس الذي تهيمن عليه جماعة الاخوان المسلمين، انتخاب “صلاح الكميشي” رئيساً لمجلس إدارة مفوضية الانتخابات، في خطوة فسرها مراقبون بأنّها محاولة لخلق جسم موازٍ للمفوضية الحالية، وهو ما يهدد بنسف المسار السياسي ويدفع البلاد نحو مزيد من التشظي الإداري والتشريعي.
وجاء هذا الإجراء، الذي جرى خلال جلسة شهدت جولتي تصويت، ليعكس حجم الإصرار لدى رئاسة المجلس، التي يتزعمها محمد تكالة المحسوب على تيار الإخوان المسلمين، على مواجهة قرارات مجلس النواب، وسط تقارير تتحدث عن هيمنة واسعة لأعضاء من التيار نفسه على مفاصل القرار داخل المجلس الاستشاري، وفق ما نقلت صحيفة (العرب) اللندنية.
وتأتي هذه القفزة السياسية من قِبل مجلس الدولة رداً مباشراً على قرار البرلمان الليبي (في بنغازي) بالتمديد للهيئة الحالية لمفوضية الانتخابات برئاسة عماد السايح، الذي يحظى بتأييد دولي واسع.
ويرى محللون أنّ تيار الإسلام السياسي، المتحالف مع حكومة عبد الحميد الدبيبة، يسعى عبر هذه الخطوة إلى تقويض شرعية السايح واستبداله بشخصيات تضمن بقاء نفوذهم في أيّ استحقاق انتخابي مرتقب.
ويجمع الخبراء على أنّ مجلس الدولة لا يمتلك صلاحية التعيين أو التشريع، إذ تقتصر مهامه وفق اتفاق “الصخيرات” (2015) على الدور الاستشاري، وهو ما يجعل خطوة انتخاب الكميشي “قفزة في الهواء” لن تحظى باعتراف دولي أو محلي خارج نطاق القوى المسيطرة على طرابلس.
بعيداً عن الأرقام الرسمية للتصويت، كشفت مصادر مطلعة من داخل مجلس الدولة لـ “تلفزيون المسار” عن كواليس مشحونة سبقت تعليق الجلسة.
وأفادت المصادر بنشوب خلاف حاد بين محمد تكالة وعدد من الأعضاء، بعد محاولة الأول تمرير اسم مدير مكتبه الخاص ضمن المرشحين لعضوية مجلس إدارة المفوضية.
وأوضحت المصادر أنّ الأعضاء تداركوا هذه الواقعة أثناء عملية الفرز، حيث رفضت اللجنة المشرفة إجازة هذا الترشيح لافتقاره للمعايير المهنية وشبهة المحاباة.
وأشار المصدر إلى أنّ قرار تكالة برفع الجلسة وتعليقها لم يكن لدواعٍ فنية كما أُعلن، بل كان محاولة للهروب من تداعيات اكتشاف هذه الواقعة التي أحرجت رئاسة المجلس أمام الأعضاء المعارضين لنهج “الأخونة”.
في المقابل، شنّ رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، هجوماً لاذعاً على الثنائي “الدبيبة وتكالة”، متهماً إيّاهما بالوقوف خلف الانسداد السياسي الحالي. واعتبر صالح في تصريحات متلفزة أنّ الرهان على إنتاج حكومة موحدة في ظل تمسك هذه الأطراف بمواقعها أصبح “ضرباً من الوهم”.
ويبدو أنّ ليبيا تتجه مجدداً نحو ثنائية المؤسسات، حيث ستجد المفوضية العليا للانتخابات نفسها أمام رأسين؛ أحدهما شرعي مدعوم برلمانياً ودولياً (السايح)، وآخر “أمر واقع” مولود من رحم التوازنات الحزبية في طرابلس (الكميشي). هذا المشهد يضع البعثة الأممية والمجتمع الدولي أمام اختبار عسير لفرض خارطة طريق توقف هذا العبث بمؤسسات الدولة السيادية.






