علي عثمان محمد طه.. مهندس الانقلاب ووجه الإخوان الخفي في السلطة السودانية
يُعدّ علي عثمان محمد طه أحد أبرز رموز التيار الإسلامي في السودان، وواحداً من أكثر الشخصيات نفوذاً في نظام الرئيس المخلوع عمر البشير. ارتبط اسمه بانقلاب 30 يونيو 1989 الذي أوصل الإسلاميين إلى الحكم، وبإدارة ملفات حساسة شكّلت ملامح الدولة السودانية الحديثة، من الحروب الأهلية إلى اتفاقيات السلام، مروراً بسياسات القمع والتمكين التي رسّخت حكم الإخوان المسلمين في البلاد.
النشأة والمسار التنظيمي
وُلد علي عثمان محمد طه عام 1944 في الخرطوم، وتخرج في كلية القانون بجامعة الخرطوم عام 1969. منذ شبابه، انخرط في جماعة الإخوان المسلمين السودانية بقيادة الدكتور حسن الترابي، وكان من أوائل الكوادر الذين تبنّوا فكرة تحويل الحركة الإسلامية من نشاط دعوي إلى مشروع سياسي منظم.
في السبعينيات، أصبح طه من القيادات النشطة في “جبهة الميثاق الإسلامي”، ثم شارك في تأسيس الجبهة الإسلامية القومية التي كانت الذراع السياسي للحركة الإسلامية، قبل أن تتحول لاحقاً إلى حزب المؤتمر الوطني الحاكم بعد انقلاب 1989.
دور محوري في انقلاب 1989
كان علي عثمان أحد المهندسين الرئيسيين لانقلاب 30 يونيو 1989 الذي أطاح بالحكومة الديمقراطية برئاسة الصادق المهدي. عمل في الخفاء إلى جانب حسن الترابي لتخطيط الانقلاب وتأمين الدعم داخل الجيش، ثم تولى بعد نجاحه عدداً من المناصب المفصلية، من بينها وزير الخارجية ونائب الأمين العام للحركة الإسلامية.
عرف عنه أنه رجل الظل داخل النظام، وصاحب نفوذ واسع في مؤسسات الدولة، لا سيما الأجهزة الأمنية والاستخباراتية. كثير من المراقبين يرون أنه كان العقل السياسي والإداري الذي صاغ نظام البشير وهيكله التنظيمي القائم على الولاء العقائدي لا الكفاءة.
من التحالف إلى التمكين
قاد علي عثمان خلال التسعينيات سياسة التمكين التي هدفت إلى إحلال أنصار الحركة الإسلامية في مفاصل الدولة، بما في ذلك القضاء والجيش والجامعات والإعلام. وقد اعتُبرت هذه السياسة أحد الأسباب الرئيسية في تدهور مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، إذ استُبدل الولاء الحزبي بالمعايير المهنية.
كما لعب دوراً محورياً في إدارة العلاقات مع الحركات الإسلامية الدولية، واحتضان قيادات من الإخوان المسلمين العرب، مما جعل السودان في تلك الفترة مركزاً لنشاط إسلامي عالمي، وأثار توتراً مع العديد من الدول العربية والغربية.
اتفاقية السلام وانفصال الجنوب
في مطلع الألفية، قاد طه مفاوضات نيفاشا التي أفضت إلى اتفاقية السلام الشامل عام 2005 مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، منهية أطول حرب أهلية في القارة الإفريقية.
لكن الاتفاق الذي صُوّر كإنجاز سياسي، كان له ثمن باهظ، إذ مهد الطريق لانفصال جنوب السودان عام 2011، وفقدان السودان أكثر من 70% من موارده النفطية.
كثير من المحللين اعتبروا أن علي عثمان وافق على تنازلات مفرطة لإنقاذ نظام البشير من الضغوط الدولية بعد اتهامه بجرائم دارفور، لا لإنهاء الحرب أو تحقيق تسوية عادلة.
تراجع النفوذ ثم الإقصاء
بعد عام 2013، بدأ نفوذ علي عثمان يتراجع بشكل ملحوظ. فقد أبعده البشير من منصبه كنائب أول للرئيس في إطار ما سُمّي بـ«التجديد القيادي»، وسط صراعات داخلية بين أجنحة الإسلاميين.
ورغم خروجه من السلطة، ظل مراقَباً من الأجهزة الأمنية بعد سقوط النظام عام 2019، ووجهت إليه تهم فساد مالي وتجاوزات إدارية.
إرث مثير للجدل
يرى كثيرون أن علي عثمان محمد طه يجسد الوجه السياسي والفكري للإخوان في السودان، إذ جمع بين التخطيط والتنفيذ في مشروع الإسلاميين الذي حكم البلاد ثلاثين عاماً.
وبينما يراه البعض “مهندس المشروع الحضاري”، يصفه آخرون بأنه أحد المسؤولين الرئيسيين عن تفكيك الدولة السودانية وتحويلها إلى نظام قائم على الولاء الحزبي والقمع.
اليوم، وبعد سقوط النظام الذي ساهم في بنائه، يبقى طه رمزاً لفترة مظلمة في تاريخ السودان السياسي، تمثل فيها التحالف بين الدين والسلطة نموذجاً لما يمكن أن يؤدي إليه توظيف العقيدة في خدمة الاستبداد.



