غازي صلاح الدين العتباني.. الإسلامي الذي انقلب على مشروعه
يُعتبر غازي صلاح الدين العتباني من أبرز الشخصيات التي مثّلت التيار الإسلامي في السودان خلال حكم الرئيس المخلوع عمر البشير. جمع بين الفكر والسياسة، وشغل مواقع قيادية في نظام الإنقاذ الذي جاء إلى السلطة بانقلاب 1989، قبل أن ينقلب لاحقاً على منظومته بعد انقسام الإسلاميين وتفاقم صراعاتهم الداخلية.
يُنظر إليه اليوم كوجهٍ إخواني حاول التمايز عن التجربة التي كان أحد صُنّاعها، دون أن ينجح في تبرئة نفسه من مسؤولية ما آلت إليه البلاد.
النشأة والخلفية الفكرية
وُلد غازي صلاح الدين العتباني في مدينة الخرطوم عام 1951، وتخرج في كلية الطب بجامعة الخرطوم.
منذ سنوات دراسته، انخرط في جماعة الإخوان المسلمين السودانية، وتأثر بأفكار الدكتور حسن الترابي، الذي كان المرجع الفكري والسياسي للحركة الإسلامية.
عرف عن العتباني اهتمامه بالفكر الإسلامي وبمحاولة “عقلنة الخطاب الدعوي”، لكنه ظل ملتزماً بالرؤية التنظيمية للإخوان التي تسعى لدمج الدين في السياسة وبناء دولة إسلامية شاملة.
في قلب السلطة
بعد نجاح انقلاب 30 يونيو 1989، برز اسم غازي صلاح الدين كأحد الوجوه المدنية البارزة في النظام الجديد.
تولى عدة مناصب مهمة، أبرزها:
-
وزير الدولة بوزارة الخارجية،
-
وزير الإعلام،
-
رئيس كتلة حزب المؤتمر الوطني في البرلمان،
-
مستشار الرئيس للسلام.
كان أحد المنظرين السياسيين لما عُرف بـ”المشروع الحضاري الإسلامي”، وهو الإطار الفكري الذي برّر به الإسلاميون سيطرتهم على الدولة السودانية، غير أن المشروع تحول في الواقع إلى نظام استبدادي قائم على القمع والتمكين.
دور في المفاوضات واتفاقيات السلام
شارك العتباني في عدة جولات تفاوضية مع الحركات المسلحة، خاصة في اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) التي وُقعت عام 2005.
ورغم تقديمه كوجه معتدل ومثقف، إلا أن دوره الفعلي ظل محكوماً بحدود النظام الذي مثّله، إذ لم يتجاوز الخطوط التي رسمها البشير وجهاز الأمن، مما جعل مساهماته السياسية تفتقر إلى الاستقلالية أو التأثير الحقيقي في القرار.
من داخل النظام إلى المعارضة
في عام 2013، وبعد تصاعد الاحتجاجات الشعبية ضد نظام البشير، وجّه غازي صلاح الدين مذكرة علنية إلى الرئيس انتقد فيها العنف ضد المتظاهرين ودعا إلى إصلاحات سياسية.
الخطوة تسببت في إبعاده من حزب المؤتمر الوطني، ليؤسس لاحقاً حزب “الإصلاح الآن”، معلناً قطيعته مع النظام الذي خدمه لسنوات طويلة.
غير أن كثيرين رأوا في موقفه محاولة متأخرة لتلميع صورته بعد أن ساهم في ترسيخ سلطة الإسلاميين، معتبرين أن خروجه من الحزب لم يكن قطيعة فكرية حقيقية، بل خلافاً على إدارة السلطة وتوازناتها.
فكر سياسي متناقض
يحاول العتباني في كتاباته وخطاباته اللاحقة تقديم نفسه كمفكر إصلاحي يسعى إلى بناء دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية، لكنه ظل متمسكاً بجوهر المشروع الإخواني القائم على احتكار التمثيل الديني والسياسي.
وقد جعل هذا التناقض صورته غامضة لدى الرأي العام السوداني: فهو من جهة ينتقد استبداد النظام الذي خدمه، ومن جهة أخرى لا يتخلى عن الإطار الفكري الذي أنتج ذلك الاستبداد.
بعد سقوط النظام
عقب الإطاحة بعمر البشير عام 2019، تراجع حضور غازي صلاح الدين في المشهد السياسي، وابتعد نسبياً عن الأضواء.
ورغم محاولاته الظهور كمفكر مستقل، إلا أن الرأي العام ما زال يربطه بالمنظومة الإسلامية التي كانت سبباً في تفكيك الدولة السودانية وإضعاف مؤسساتها.
يشكّل غازي صلاح الدين العتباني نموذجاً لتيار داخل الإسلاميين السودانيين حاول إعادة تلميع المشروع الإخواني بعبارات إصلاحية بعد فشله في الحكم.
ورغم خطابه الهادئ وابتعاده عن المواجهة، يبقى جزءاً من جيلٍ سياسي ساهم في بناء نظامٍ استند إلى الدين لتبرير سلطته، قبل أن يسقط تحت وطأة الفساد والانقسام.
إن سيرة العتباني تختزل، إلى حد بعيد، مأزق الإسلاميين في السودان: بين الشعارات الإصلاحية والممارسات السلطوية، وبين الفكر النظري ومآلات التجربة على أرض الواقع.



