عمر البشير.. الرئيس الذي أطاح به الشارع بعد ثلاثة عقود من الحكم
يُعدّ عمر حسن أحمد البشير (من مواليد 1 يناير 1944) أحد أبرز الشخصيات المثيرة للجدل في التاريخ السياسي الحديث للسودان والعالم العربي. فقد تولى السلطة بانقلاب عسكري في عام 1989، وحكم البلاد لثلاثة عقود شهدت خلالها السودان تحولات سياسية واقتصادية وأمنية عميقة، انتهت بسقوط نظامه تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية في أبريل 2019.
البدايات العسكرية والصعود إلى السلطة
ينتمي البشير إلى قبيلة البديرية الدهمشية، ونشأ في قرية حوش بانقا بولاية نهر النيل. التحق بالكلية الحربية السودانية في ستينيات القرن الماضي، ثم شارك ضمن القوات السودانية التي قاتلت إلى جانب الجيش المصري في حرب أكتوبر 1973.
بفضل خلفيته العسكرية وانضباطه، ترقّى سريعاً في صفوف الجيش حتى أصبح عميداً. وفي 30 يونيو 1989 قاد انقلاباً عسكرياً أطاح بحكومة الصادق المهدي المنتخبة ديمقراطياً، مدعوماً من الحركة الإسلامية بقيادة الدكتور حسن الترابي، ليبدأ عهداً جديداً من الحكم ذي الطابع العسكري – الإسلامي.
تحالف مع الإسلاميين ثم صراع معهم
في سنوات حكمه الأولى، اعتمد البشير بشكل كبير على الجبهة الإسلامية القومية، التي وفرت له الغطاء الأيديولوجي والتنظيمي. غير أن التحالف لم يدم طويلاً، إذ دخل الرجلان – البشير والترابي – في صراع على النفوذ والسلطة. وفي عام 1999 أعلن البشير حلّ البرلمان وإعلان حالة الطوارئ، فيما عُرف بـ«مفاصلة الإسلاميين»، لتبدأ مرحلة جديدة من حكم الفرد المطلق.
حروب وأزمات داخلية
عرفت فترة حكم البشير سلسلة من النزاعات الدموية التي هزت استقرار السودان، أبرزها الحرب الأهلية مع الجنوب التي انتهت بانفصال جنوب السودان عام 2011، لتفقد البلاد نحو 75% من عائداتها النفطية. كما اندلعت حرب دارفور عام 2003، والتي راح ضحيتها مئات الآلاف من المدنيين، وتسببت في اتهام البشير بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
أول رئيس عربي مطلوب للعدالة الدولية
في سابقة هي الأولى من نوعها، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في عامي 2009 و2010 مذكرتي توقيف بحق البشير، بتهم تتعلق بجرائم الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية في دارفور. ورغم ذلك، واصل الرئيس السوداني زياراته الخارجية متحدياً قرارات المحكمة، مستفيداً من دعم بعض الدول الإفريقية والعربية.
سقوط النظام
مع تفاقم الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات، خرج السودانيون في ديسمبر 2018 في احتجاجات واسعة بدأت من مدينة عطبرة، وسرعان ما امتدت إلى معظم أنحاء البلاد. ورغم القمع والاعتقالات، صمد الحراك الشعبي حتى أعلن الجيش في 11 أبريل 2019 عزل البشير واعتقاله، لينتهي بذلك حكم دام ثلاثين عاماً.
ما بعد السقوط
بعد إطاحته، نُقل البشير إلى سجن كوبر بالخرطوم، حيث خضع لمحاكمات بتهم الفساد وحيازة أموال أجنبية بطرق غير مشروعة. كما لا تزال قضية تسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية موضع جدل بين السلطات السودانية.
ومع استمرار الاضطرابات السياسية في السودان، يبقى إرث البشير ثقيلاً على البلاد، إذ يرى كثيرون أن سنوات حكمه كانت سبباً رئيسياً في تفكك الدولة وتدهور الاقتصاد واندلاع الصراعات.
إرث متناقض
يختلف السودانيون في تقييمهم لعهد البشير؛ فبينما يعتبره أنصاره زعيماً حافظ على “سيادة السودان” في وجه التدخلات الخارجية، يرى معارضوه أنه أرسى نظاماً استبدادياً دمّر مؤسسات الدولة وأشعل الحروب الأهلية.
لكن ما يتفق عليه الجميع أن البشير شكّل علامة فارقة في تاريخ السودان الحديث، وأن سقوطه مثّل نقطة تحوّل كبرى في مسار الدولة التي لا تزال تبحث عن الاستقرار بعد عقود من الاضطراب.



