نشأة الإخوان المسلمين في السودان: من الدعوة إلى النفوذ السياسي
شهد السودان منذ منتصف القرن العشرين صعوداً متدرجاً للحركة الإسلامية، التي مثّلت جماعة الإخوان المسلمين عمودها الفقري وأحد أبرز مكوّناتها الفكرية والتنظيمية. وقد لعبت هذه الجماعة دوراً محورياً في تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي في البلاد، سواء من خلال نشاطها الدعوي المبكر أو عبر تحوّلها لاحقاً إلى قوة سياسية نافذة.
البدايات: من القاهرة إلى الخرطوم
بدأت فكرة الإخوان المسلمين في السودان تتسلل في أربعينيات القرن الماضي، متأثرة بالحركة الأم في مصر التي أسسها حسن البنا عام 1928. وقد ساعد القرب الجغرافي والتواصل الثقافي والتعليمي بين البلدين على انتقال الأفكار الإخوانية إلى الجامعات والمعاهد السودانية، خاصة بين الطلبة السودانيين الذين درسوا في مصر وعادوا متأثرين بفكر الجماعة.
في عام 1949، تأسست أول خلية تنظيمية للإخوان في السودان على يد مجموعة من الشباب أبرزهم صادق عبد الله عبد الماجد والرشيد الطاهر بكر، وهما من أبرز من تتلمذوا على فكر حسن البنا وتأثروا برسالته. وقد بدأت الجماعة نشاطها في الخرطوم بشكل محدود، يركّز على الدعوة الدينية والتربية الأخلاقية ومقاومة التيارات العلمانية.
مرحلة التنظيم والانقسام
مع استقلال السودان عام 1956، توسّعت أنشطة الإخوان، واتجهت الجماعة نحو العمل السياسي المباشر. إلا أن الستينيات شهدت انقساماً داخلياً حاداً، بسبب خلافات فكرية وتنظيمية حول طبيعة العمل السياسي والعلاقة مع الأحزاب السودانية.
من رحم هذه الخلافات نشأت جبهة الميثاق الإسلامي بقيادة الدكتور حسن الترابي، الذي استطاع أن يمنح الحركة الإسلامية السودانية طابعاً جديداً، يجمع بين الفكر الإخواني والتنظيم السياسي الحديث.
من الدعوة إلى السلطة
خلال السبعينيات والثمانينيات، تمكّنت الحركة الإسلامية بقيادة الترابي من التغلغل في المؤسسات التعليمية والطلابية والنقابية، كما بنت شبكة واسعة من العلاقات داخل الجيش والبيروقراطية السودانية.
بلغ نفوذها ذروته عام 1989 حين دعمت انقلاب عمر البشير العسكري على حكومة الصادق المهدي، فيما عرف لاحقاً بـ”انقلاب الإنقاذ”. كان ذلك تتويجاً لعقود من العمل السري والتنظيمي، وأدخل السودان في مرحلة جديدة من حكم الإسلاميين تحت مظلة “المشروع الحضاري”.
الهيمنة ثم الانقسام من جديد
رغم السيطرة المطلقة على مفاصل الدولة في التسعينيات، سرعان ما تفجّر الصراع داخل النظام بين البشير وعرّابه الترابي، مما أدى إلى انقسام الحركة الإسلامية مجدداً عام 1999.
توزع الإخوان السودانيون بعد ذلك بين عدة تيارات:
-
المؤتمر الوطني بقيادة عمر البشير، الذي مثّل الجناح الحاكم.
-
المؤتمر الشعبي بقيادة حسن الترابي، الذي اتجه إلى المعارضة.
-
وتيارات صغيرة حافظت على الولاء التنظيمي والفكري لجماعة الإخوان الأم في مصر.
الإخوان بعد الثورة
بعد سقوط نظام البشير عام 2019، واجهت الحركة الإسلامية والإخوان في السودان عزلة سياسية وشعبية واسعة، نتيجة ارتباطهم المباشر بالنظام السابق. ومع ذلك، لا تزال الجماعة تمتلك نفوذاً تنظيمياً واجتماعياً داخل بعض النقابات والولايات، وتحاول إعادة التموضع في المشهد الجديد، مستفيدة من ضعف التيارات المدنية والانقسامات داخل الجيش.
إن تجربة الإخوان المسلمين في السودان تعكس مزيجاً من الطموح الدعوي والبراغماتية السياسية، فقد نجحوا في التحول من جماعة دعوية محدودة التأثير إلى قوة حاكمة سيطرت على البلاد لعقود. غير أن تحالف الدين بالسلطة أدّى في النهاية إلى تفكك الحركة وتراجع شعبيتها، لتبقى تجربتها واحدة من أكثر النماذج إثارة للجدل في التاريخ السياسي الحديث للسودان.



