التاريخ الأسود للإخوان المسلمين في السودان: من الشعارات الدينية إلى الدولة الأمنية
يُعدّ تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في السودان واحداً من أكثر الفصول قتامة في تاريخ البلاد الحديث، إذ تحوّلت الجماعة من حركة دعوية ترفع شعارات “الإصلاح الإسلامي” إلى نظام سلطوي استخدم الدين غطاءً لتبرير القمع والفساد والتمكين. ومنذ انقلاب عام 1989 وحتى سقوط نظام عمر البشير عام 2019، عاش السودان ثلاثين عاماً من الاستبداد تحت حكمٍ صاغه الإخوان بعناية باسم “المشروع الحضاري الإسلامي”.
انقلاب الإنقاذ: بداية الظلام
في الثلاثين من يونيو عام 1989، نفّذ ضباط ينتمون إلى الجبهة الإسلامية القومية بقيادة حسن الترابي وبدعم من عمر البشير انقلاباً عسكرياً أطاح بحكومة الصادق المهدي المنتخبة ديمقراطياً.
رفع الإخوان شعارات “الإنقاذ” و”تطبيق الشريعة”، لكن الهدف الحقيقي كان الاستيلاء على السلطة وتفكيك المؤسسات الديمقراطية التي كانت تهدد نفوذهم المحدود آنذاك.
منذ الساعات الأولى للانقلاب، بدأ الإخوان حملة اعتقالات واسعة شملت آلاف المعارضين، وأُغلقت الصحف، وحُظرت الأحزاب، لتدخل البلاد في مرحلة جديدة من الحكم الشمولي.
التمكين والسيطرة على الدولة
اعتمد الإخوان سياسة ممنهجة عُرفت باسم “التمكين”، وهي خطة تهدف إلى إحلال عناصر الحركة الإسلامية في مفاصل الدولة والجيش والأمن والاقتصاد.
فتم فصل آلاف الموظفين والضباط غير المنتمين للجماعة، واستُبدلوا بكوادر إخوانية تدين بالولاء للتنظيم لا للوطن.
كما سيطر الإخوان على الجامعات عبر اتحاد طلابهم، وعلى الاقتصاد من خلال شركات واجهات تدير أموال الدولة لصالح التنظيم، مما أدى إلى فساد واسع النطاق واحتكارٍ كامل للثروة.
حروب باسم الدين
تحت شعار “الجهاد”، أشعل الإخوان حروباً داخلية مدمرة، خصوصاً في جنوب السودان وجبال النوبة ودارفور.
تم تجنيد عشرات الآلاف من الشباب في ما سُمّي بـ”كتائب المجاهدين”، وأُرسِلوا إلى ساحات القتال في حروب دينية أودت بحياة مئات الآلاف من السودانيين.
استخدم النظام خطاباً دينياً يشيطن خصومه، فصُوّر الجنوبيون والمتمردون على أنهم “أعداء الإسلام”، بينما كان الهدف الحقيقي الحفاظ على السلطة بأي ثمن.
القمع والانتهاكات
تاريخ الإخوان في السودان مليء بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
فقد أنشأوا أجهزة أمنية سرية، أبرزها جهاز الأمن والمخابرات الوطني، الذي مارس التعذيب والاختطاف والإعدام خارج القانون بحق المعارضين.
امتلأت السجون بمعتقلي الرأي، وتحوّلت الجامعات إلى ساحات للعنف الإخواني ضد الطلاب المختلفين فكرياً.
وكانت حرية الصحافة والرأي من أولى ضحايا هذا النظام، إذ جرى إغلاق عشرات الصحف وملاحقة الصحفيين بالاعتقال والتهديد.
الفساد المالي ونهب الثروات
خلال حكم الإخوان، تحوّل السودان إلى واحدة من أكثر الدول فساداً في العالم.
تغلغلت شبكات التنظيم في قطاع النفط والذهب والتجارة والزراعة، وتم تهريب مليارات الدولارات إلى الخارج.
القيادات الإخوانية بنت إمبراطوريات مالية في الداخل والخارج، بينما غرق المواطن السوداني في الفقر والبطالة، وانتهى الأمر بانهيار الاقتصاد الوطني.
حتى بعد سقوط البشير، لا تزال بعض هذه الشبكات المالية تعمل في الخفاء، مستفيدة من الأموال التي جُمعت طوال ثلاثة عقود.
الانقسام والسقوط
في نهاية التسعينيات، تفجّر الصراع داخل النظام بين الترابي والبشير، فانقسم الإخوان إلى جناحين متناحرين: “المؤتمر الوطني” و”المؤتمر الشعبي”.
لكن هذا الانقسام لم يغيّر شيئاً في الواقع، إذ ظلّ الشعب يدفع ثمن تجربة حكمٍ قامت على الكذب باسم الدين، واستمرت حتى أطاحت بها الثورة الشعبية في ديسمبر 2018.
الإرث المظلم
اليوم، وبعد سقوط النظام، يحاول الإخوان الظهور بمظهر الضحية، لكن ذاكرة السودانيين لم تنسَ:
لم تنسَ المقابر الجماعية في دارفور، ولا قمع التظاهرات، ولا نهب المال العام، ولا شعارات “المشروع الحضاري” التي غطّت على أبشع فترة من الاستبداد في تاريخ السودان الحديث.
لقد خلّف حكم الإخوان إرثاً ثقيلاً من الكراهية والانقسام والدماء، وجعل السودان يعيش حتى اليوم آثار ثلاثين عاماً من الفساد الديني والسياسي.
التاريخ الأسود للإخوان في السودان ليس مجرد صفحة عابرة، بل درس قاسٍ لكل الشعوب التي تُخدع بشعارات “الإسلام السياسي”.
فالجماعة التي بدأت بالدعوة إلى الأخلاق انتهت إلى قمع الإنسان، والجماعة التي رفعت راية الدين جعلت منه أداةً للحكم والثراء والدمار.
وهكذا، لم يسقط نظام البشير وحده عام 2019، بل سقط معه وهم “الحكم الإسلامي العادل” الذي روّجه الإخوان طيلة عقود.



