ملفات الماضي تعود.. فرنسا تعيد فتح إرث الإخوان بعد الهجمات
تعود فرنسا اليوم إلى تفكيك جذور التطرّف الذي ضربها قبل عشر سنوات، لكن هذه العودة ليست فقط بحثًا في الماضي، بل محاولة لقراءة أثر الشبكات الفكرية والتنظيمية التي أسهمت في تكوين بيئة خصبة للعنف.
وعلى الرغم من أنّ الهجمات الإرهابية كانت المظهر الأكثر حدّة، فإنّ البنية الدعوية والسياسية لجماعة الإخوان المسلمين ظلّت تشكّل الخلفية التي وفّرت الغطاء الأيديولوجي لكثير من حالات التطرف داخل الضواحي الفرنسية.
هذه العودة إلى التحقيق لا تأتي كتحرّك رمزي، بل كإعادة صياغة لسياسة الدولة في مواجهة اختراق ناعم دام عقودًا.
في السياق، أورد موقع “ليبانون ديبايت” في تقريره أنّ فرنسا أطلقت مسارًا قضائيًا وسياسيًا متقدّمًا يبحث في إرث الإخوان وفروعهم داخل البلاد، مع تسليط الضوء على المؤسسات التي واجهت اتهامات طويلة بالترويج لأفكار تنظيمية متشددة تحت ستار العمل الاجتماعي أو حماية الأقليات.
ويأتي هذا بعد سلسلة تحقيقات أمنية امتدت لسنوات، كشفت عن علاقة معقّدة بين الخطاب الدعوي للجماعة وتحوّل بعض الشباب نحو التطرف العنيف، رغم عدم تبنّي الإخوان مباشرة للعمليات الإرهابية.
وتسعى السلطات، من خلال هذا المسار، إلى رسم خريطة دقيقة لشبكات التأثير الإخوانية التي نجحت لسنوات في التغلغل داخل المجتمع الفرنسي عبر جمعيات ثقافية وتعليمية.
ففرنسا، التي تعيش منذ 2015 هاجس الأمن القومي، تدرك أنّ التعامل مع التهديد لا يقتصر على تفكيك الخلايا النائمة، بل يستوجب أيضًا مواجهة المنابع الفكرية التي تغذّي حالة الرفض والانعزال داخل بعض الأحياء.
وترى مؤسسات بحثية فرنسية أنّ الإخوان اعتمدوا على “التمكين الهادئ” داخل البلديات والفضاءات الطلابية، ما سمح لهم بخلق بيئة اجتماعية موازية تُضعف النموذج الجمهوري.
في المقابل، يُنظر إلى التحرك الفرنسي الأخير كجزء من استراتيجية أوسع تتجه فيها باريس نحو حسم ملف الجماعات الإسلاموية بجميع أطيافها، مع التركيز على منع تكرار أخطاء الماضي حين جرى التعامل مع الإخوان باعتبارهم “شركاء معتدلين”.
ويعتبر مراقبون أنّ الدولة الفرنسية باتت مقتنعة بأنّ الفصل بين خطاب الجماعة السياسي والدعوي وبين التطرف العملي لم يعد مقنعًا، خاصة بعد تبيان الروابط الأيديولوجية التي تربط مراحل تطرف بعض المنخرطين في دوائرها.
وتأتي هذه الإجراءات في لحظة يعاد فيها تقييم دور الحركات الإسلام السياسي عالميًا، حيث بدأت دول أوروبية عدّة اعتماد مقاربة أكثر صرامة في التعامل مع الإخوان، باعتبارهم تنظيماً يشتغل على المدى الطويل ويعيد إنتاج مظاهر العداء للنسق الديمقراطي تحت مسميات الاندماج. ومع تسارع هذا التحول الفرنسي، تبدو باريس اليوم أمام إعادة رسم علاقتها بمكوّن ظلّ لعقود يتحرك بين المساجد والجمعيات، راسمًا لنفسه نفوذًا موازياً داخل المجتمع، قبل أن تكشف الهجمات الإرهابية حدوده وخطورته.







