تاريخ

تحكم الإخوان المسلمين في نظام الحكم السوداني عبر التاريخ: من التغلغل إلى السيطرة الكاملة


تُعد تجربة الإخوان المسلمين في السودان واحدة من أبرز النماذج التي توضح كيف تحوّلت جماعة دينية دعوية إلى قوة سياسية حاكمة سيطرت على مفاصل الدولة لعقود. فباسم الدين والإصلاح، نجحت الحركة الإسلامية في التغلغل داخل مؤسسات الدولة السودانية تدريجياً، حتى بلغت ذروة نفوذها مع انقلاب عام 1989 الذي وضع البلاد تحت حكم إخواني كامل استمر ثلاثين عاماً.

مرحلة التغلغل: البدايات الهادئة (1949 – 1969)

دخل فكر الإخوان إلى السودان في أواخر الأربعينيات عبر الطلاب السودانيين العائدين من مصر، الذين تأثروا بحركة حسن البنا.
في عام 1949، أُسست أول خلية تنظيمية للجماعة بقيادة صادق عبد الله عبد الماجد والرشيد الطاهر بكر. في البداية، ركز الإخوان على العمل الدعوي والتربوي داخل الجامعات والمساجد، وكان هدفهم بناء قاعدة فكرية تؤهلهم مستقبلاً للنفوذ السياسي.

مع استقلال السودان عام 1956، تحوّل نشاطهم تدريجياً نحو السياسة. أسسوا لاحقاً “جبهة الميثاق الإسلامي” بقيادة حسن الترابي، التي خاضت الانتخابات في ستينيات القرن الماضي، لكنها لم تحقق نفوذاً واسعاً آنذاك بسبب هيمنة الأحزاب التقليدية كالأمة والاتحادي الديمقراطي.

مرحلة التمكين من داخل النظام (1969 – 1985)

جاء انقلاب جعفر نميري عام 1969 ليسجن كثيراً من الإسلاميين، لكن بحلول السبعينيات، أدرك نميري أهمية التحالف معهم في مواجهة اليساريين.
فأفرج عن الترابي وأنصاره عام 1977 بعد ما عُرف بـ”المصالحة الوطنية”، ومنحهم حرية العمل النسبي.
استغل الإخوان هذه الفرصة ببراعة، فبدأوا يتسللون إلى المؤسسات التعليمية، والجيش، والقطاع المصرفي عبر شبكة تنظيمية محكمة.
خلال هذه الفترة، أسسوا شركات اقتصادية خاصة بهم، وبنوا قاعدة مالية ضخمة مكّنتهم لاحقاً من تمويل انقلابهم الكبير.

الانقلاب والسيطرة الكاملة (1989 – 1999)

في 30 يونيو 1989، نفّذ الإخوان انقلاباً عسكرياً قاده العميد عمر حسن البشير، بتخطيطٍ وإشرافٍ مباشر من حسن الترابي زعيم “الجبهة الإسلامية القومية”.
رفعوا شعار “ثورة الإنقاذ الوطني” وادّعوا أنهم جاؤوا لإنقاذ البلاد من الفساد، لكن الهدف الحقيقي كان الاستيلاء الكامل على السلطة.

خلال السنوات الأولى من حكمهم، طبق الإخوان سياسة “التمكين”، وهي خطة مدروسة تهدف إلى إحلال أعضاء الجماعة في المناصب الحساسة في الدولة:

  • تمت إحالة الآلاف من ضباط الجيش والشرطة والقضاة والموظفين بدعوى الصالح العام.

  • سيطر الإخوان على الإعلام والجامعات والمؤسسات الاقتصادية.

  • أنشأوا جهاز أمن قوي يخضع مباشرة لقيادة الحركة الإسلامية، يتحكم في السياسة والاقتصاد والمجتمع.

تحت مظلة ما سُمّي بـ”المشروع الحضاري الإسلامي”، أحكم الإخوان قبضتهم على الدولة، وقادوا السودان إلى عزلة دولية، وحروب أهلية في الجنوب ودارفور، وفساد مالي غير مسبوق.

مرحلة الصراع والانقسام (1999 – 2011)

في نهاية التسعينيات، تفجّر الصراع داخل النظام بين جناحين:

  • جناح الترابي الذي أراد توسيع نفوذ الحركة الإسلامية على حساب المؤسسة العسكرية.

  • جناح البشير الذي فضّل استمرار الحكم العسكري باسم الإسلام دون وصاية فكرية من التنظيم.

أدى هذا الصراع إلى إقصاء الترابي واعتقاله في عام 1999، ثم تأسيس حزب المؤتمر الشعبي المعارض، بينما واصل البشير حكمه عبر المؤتمر الوطني الذي بقي واجهة الإخوان الرسمية في السلطة.
رغم هذا الانقسام، ظلّ كلا الجناحين يدين بالولاء للفكر الإخواني، ويشتركان في الهدف ذاته: البقاء في الحكم عبر الدين.

الإخوان بعد انفصال الجنوب وسقوط البشير (2011 – 2019)

بعد انفصال جنوب السودان عام 2011، واجه النظام أزمة اقتصادية خانقة بسبب فقدان النفط.
ورغم ذلك، استمرت آلة الفساد الإخوانية في نهب الموارد، وسيطر التنظيم على التجارة والذهب والعقارات.
وفي عام 2019، أطاحت الثورة الشعبية بالبشير، لكن مؤسسات الدولة كانت لا تزال مشبعة بعناصر الإخوان الذين شكّلوا شبكات مقاومة خفية داخل الأجهزة الأمنية والمالية والإدارية.

التحكم الخفي بعد الثورة (2019 – الآن)

رغم سقوط واجهتهم السياسية، ما زال الإخوان يسعون للعودة إلى الحكم عبر تحالفات داخل الجيش وبعض القوى التقليدية.
استخدموا الانقسامات السياسية بين المدنيين والعسكريين لخلق الفوضى، كما استغلوا نفوذهم الاقتصادي والإداري لتعطيل قرارات التفكيك واستعادة أموالهم.
وهكذا، فإن تأثير الإخوان في النظام السوداني لم ينتهِ بسقوط البشير، بل تواصل بأساليب جديدة تعتمد على التغلغل والتمويل والتعبئة الدينية.

منذ منتصف القرن الماضي، نجح الإخوان المسلمون في تحويل السودان إلى مختبر لتجارب “الإسلام السياسي”، فمرّوا من مرحلة الدعوة إلى مرحلة الحكم المطلق.
لكن النتيجة كانت كارثية: انهيار الدولة، تقسيم الوطن، إفلاس الاقتصاد، وتشويه صورة الدين.
لقد كشف التاريخ أن الإخوان في السودان لم يسعوا لبناء دولة إسلامية عادلة، بل استخدموا الإسلام وسيلةً للتحكم والهيمنة.
وسيبقى درس السودان شاهداً على أن من يستخدم الدين للسياسة، ينتهي به الأمر إلى تدمير الاثنين معاً.

زر الذهاب إلى الأعلى